‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 يونيو 2019

قراءة في رواية أشرف الخمايسي (انحراف حاد) بقلم: محمد صالح رجب


https://thakafamag.com/?p=25173

قراءة في رواية أشرف الخمايسي (انحراف حاد)

بقلم: محمد صالح رجب
في روايته “انحراف حاد” الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014، والتي دخلت في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” عام 2015، يطرح أشرف الخمايسي سؤلا غير منطقي: هل يستطيع الإنسان أن يقهر الموت؟ إجابتك السريعة، والبديهية، بالنفي هي موضوع هذه الرواية، حيث يدعوك الكاتب إلى التريث وإعمال العقل والتفكر وكشف مكامن القوة بداخلك، من خلال شخصية “صنع الله” التي ابتدعها، والتي يقول عنها” لزم الانعزال ،واستمر يدعوا الناس عبر الأزمنة، فرادى، يخترق حياتهم، ويدعوهم إلى اكتشاف قيمتهم الحقيقة، والى قراءة محايدة للكتب التي يقدسونها، وأن يحللوا تصرفات أنبيائهم بعقل مستنير بعلوم حاضرهم، ليعرفوا أن الله مجد الإنسان، وعلى الإنسان أن يخرج مكامن عظمته، كي يعرف كم هو الله أعظم مما يتصور. يدعوهم، فمن يؤمن بقدرة الإنسان على تحصيل الخلود يرسله ليسعى بين الناس بالفكرة المهيبة، ومن لا يؤمن يدفع به إلى ما يؤمن به من موت، فيدبر له سبل القتل، ومن غير رحمه، فنبتة الخلود يجب أن ينقى ما حولها من محبي الفناء، ومقدسيه).
في تلك الرواية، قبض الخمايسي قبضة عشوائية من الشعب المصري، فأفرزت خمس عشرة شخصية، مثَّلت عينة عشوائية من المجتمع وكل منها وراءها قصة، حملت تلك العينة متناقضات وتنوع الشعب المصري، فكان منها المتدين والمنحل، العجوز والشاب، الرجل والمرأة والطفل، كان منها المسلم والمسيحي، المدني والعسكري، الصعيدي والقاهري..استقلوا جميعا سيارة ميكروباص بيضاء ذات إطار فضي، حملت لوحة مرورية رقم 345678 أجرة أسيوط، يقودها أبو أميرة الذي يعمل في تلك المهنة منذ ثلاثين عاما والذي تفنن في الاعتناء بها، فكانت كما كتب على واجهتها ” وزيناها للناظرين “.
لم يلتزم الخمايسي بالترتيب الزمني للأحداث ولم يعتمد على عمودية السرد حيث التتابع المنطقي للأحداث المفضي إلى نهاية متوقعة، وإنما كانت له مناوراته السردية التي تدفع السأم والملل عن المتلقي، فبعد أن اختار تجمع هذا العدد من شخصياته في سيارة ميكروباص أجره، كانطلاقة، ونقطة بدء، اعتمد المفارقة الزمنية، واستخدم بشكل واسع تقنية الاسترجاع لاسيما الاسترجاع الداخلي، وبدرجه اقل الاسترجاع الخارجي، ليكشف لنا، من خلال راوٍ عليم، يوجه الأحداث ويبدي وجهة نظره ويعرض فلسفته للحياة، عن أحداث جديدة تضيء لنا جوانب من شخصياته الروائية والتي أولاها ما تستحق من عناية باعتبارها العمود الفقري للعمل الروائي، فترك لها الحرية في مواضع مختلفة، لتسرد الأحداث على لسانها ومن وجهة نظرها وعبر مستويات عدة من اللغة. لم يكتف الكاتب بإظهار الأبعاد الخارجية لشخصياته، وإنما تغلغل داخلها ليخرج لنا أبعادها الداخلية وما يختلج في الصدور، ناهيك عن شبكة العلاقات التي ترتبط بها، بما فيها علاقتها بالأمكنة والذي انعكس على سلوكها الشخصي.فحين يتحدث عن”حميد المجري” أخطر نصاب، تحدث عن عشوائية المنطقة التي يسكنها، تلك المنطقة القادرة على إيواء البشر والعقارب والفئران والتي يسكنها خطرون، ولن يغامر الضباط والعساكر بالمشي فيها مسافات طويلة ليداهموا غرفة مسجل خطر.
رحلة الحياة العابرة للوصول إلى الخلود، رحلة شاقة حيث الطرق الصعبة،المنحنية التي تفاجئنا عند كل منحنى بما يدهشنا، ومن ثم فهي في حاجة إلى قائد محنك يمسك بذمام الأمور ويمنعها من الانحراف الحاد، هكذا فعل الكاتب حين أتاح لنا الاندهاش مع كل منحنى دون أن يفقد سيطرته على نصه الذي بدا متماسكا، مترابطا، معتمدا مبدأ السببية، فما كان للمجند “ياسر المبروك” أن يغضب إلا أن العقيد أمعن في سبه بأمه، وما كان “ياسر المبروك” ليحاكم عسكريا لولا أنه رد الإهانة ذاتها إلى العقيد “هاني علي الدين”، وما كان الشارع ليستقطب” سوسن” لولا أنها تاهت صغيرة، وما كانت “نوال” لتسكن القاهرة لولا وجود قريب لها… وهذا السائق المحترف الذي قضى في هذه المهنة ثلاثين عاما من عمره البالغ خمسة وثلاثون، ما كان له أن ينحرف دون الانشغال المفرط بتلك المرأة الجميلة، ومحاولة الربط بينها وبين “سوسن” التي عرفها في لقاء حميمي وحيد منذ سنتين، وما كان النص عموما ليفصح عن مكنوناته وعن تلك التفاصيل المدهشة دون أن يكون الانحراف “حادا”..
كان لافتا أن يكون الشيخ والقسيس في المقدمة، في المقعد الأمامي إلى جوار السائق، فالأمر يبدوا أنه مقصود، لاسيما إذا ربطنا بين ذلك وما جاء على لسان ” زياد” في أحد حواراته، حين قال: (سبب المشاكل مش ربنا ؟؟ الناس اللي بتتكلم نيابة عنه)، يقصد أن هؤلاء الذين يتكلمون نيابة عن الله هم سبب المشاكل.وفي حوار الشيخ “الغريب” مع “صنع الله”، يقول” من لا يستطيع العوم لا يتقدم لقيادة السفن”، وكأني بالكاتب يريد أن يقول أن رجال الدين والذين يتحدثون باسم الله هم من يتصدرون المشهد الآن، وهم سبب ما نعانيه من مشاكل، وما يعزز تلك الفرضية هو شخصية “صنع الله” ذاتها، تلك الشخصية التي تسعى إلى تعظيم الله، وتتحدث باسمه، لكنها تدعوا الناس إلى ما يخالف شرع الله، فتعظيم الله الذي تسعى إليه، مؤكد لن يكون بمعصية الله، وإنكار الموت،والبعث، والحساب.. وهذا يحيلنا إلى العنوان مرة أخرى “انحراف حاد”، أي انحرف حاد كان يقصد؟ أهو انحراف الوسيلة والنهج؟ أم انحراف القصد والهدف، أم أن الانحراف الحاد كان في طرح مثل تلك القضايا التي تمس المقدسات؟.
ورغم أن الأسئلة العديدة التي فجرها النص ظلت حائرة، دون إجابات، إلا أنه نجح في هز العقول هزة عنيفة وبشكل قاسٍ، ودفع أصحابها للتفكير واستخدام نعمة العقل التي هي منحة من الله، فالشخص الذي يكتشف قدراته مؤكد سيكون أكثر تعظيما لمن وهبه الحياة..
*محمد صالح رجب 
كاتب من مصر

الأحد، 16 يونيو 2019

قراءة في قصص محمد صالح رجب " ضد الكسر ".. بقلم: سمية عودة

قراءة في قصص محمد صالح رجب "ضد الكسر".. بقلم: سمية عودة



في مجموعته القصصية "ضد الكسر" الصادرة عن دار الأدهم في عام 2015، اختار محمد صالح رجب زاوية مميزة هي في الغالب محاولة لاسترجاع بعض مشاهد الماضي من خلال ضمير المتكلم أو ضمير الغائب، ومن ثم يتولد الإحساس بالدراما عند المقابلة بين حدثين أو شخصين أو لحظتين أحدهما ماضية عميقة متجذرة في اللاوعي ولحظة آنية حاضرة بكل مقوماتها.
المجموعة في أغلبها انتصار للمرأة بدا ذلك من عتبة النص الأولى؛ في اختياره للاسم والذي يرفض انكسار المرأة ومن غلاف المجموعة الذي حمل صورة لامرأة ترفض الانكسار، لها عين واحدة شامخة مليئة بالتحدي، رغم المعاناة بغياب العين الأخرى.وايضا في ذلك الاهداء الذي خص به ابنته "ايمان" التي وصفها بالزهرة التي عطرت حياته. أغلب النصوص حملت مشاكل وهواجس وأنات المرأة في مراحل عمرية مختلفة، الصبية التي لم يتجاوز عمرها عشر سنوات رفضت الانكسار في نص "عروسة وعريس" رغم الألم الذي صاحب تجربتها، الأمر ذاته حدث للراقصة الشابة في "عرايا"، والتي رفضت أن تنكسر أمام قسوة مجتمع لا يشبعه الا العرايا، ولم تستسلم الشابة في "شق القمر" وانتفضت في وجه الظلم والتهميش، وفي نص "وجع" ظلت الأم صامدة رغم مرارة الفقد والفقر وعبء المسؤولية، مرارة الفقد كانت حاضرة ايضا وبقسوةفي نص "رائحة المطر"، تلك الرائحة التي تجعل الأرملة، ميسورة الحال، تبتسم رغم الألم وتدمع رغم الفرح، حيث ارتبط المطر ورائحته في ذاكرتها بلحظات السعادة والفقد معا..
  واستمرت نصوص المجموعة تنتصر للمرأة على هذا المنوال، فترفض الشابة الانكسار في نص "فستان زفاف " رغم الألم، الشيء ذاته فعلته الجدة التي تحتضر في نص " ضد الكسر".. وتلك الصرخة المدوية التيعَرَّت وهتكت صمت المجتمعوالتي اطلقتها الشابة في نص "صرخة " عند موت الأم المقهورة .
انتصار الكاتب للمرأة في نصوص المجموعة امتد من الطفولة الى الممات، فتناولها طفلة وشابة وعروس وأم ومطلقة وأرملة وجدة ومتوفاةوأيضا حمل قائمة بكثير من قضاياها من قبيل: الزواج المبكر والعنوسة والفتور في العلاقات الزوجية والسمنة والتمييز والتهميش وغيرها من الموضوعات.
لم تخلو المجموعة من نص أو أكثر يشير الى زمن المجموعة، ظهر ذلك في نص "رائحة الخبز" الذي رصد أحداث ثورة يناير 2011 وإن لم يشر اليها صراحة،لكنه ارتباط الزمان بالمكان، فالمكان المتمثل في ميدان التحرير المكتظ بالمتظاهرين وبكاميرات التلفاز، افصح عن الزمان. ورغم أن " رائحة الخبز" شَكَّل أحد نصين لم يذكر فيهما المرأة إلا أنهما ارتبطا ارتباطا وثيقا بها وشكلامع باقي النصوص مضمونالرسالة التي أراد الكاتب أن يرسلها، وإذا كانت "رائحة الخبز"تشي أن المجموعة كتبت في أعقاب ثورة يناير، حيث كانت المرأة هدفا لسهام بعض ممن تصدروا المشهد في ذلكالوقت، فإن نص " الشيخ مجدي" الذي خلا هو الآخر من ذكر المرأة يشير على استحياء إلى هؤلاء البعض الذين استهدفوا المرأة ومكتسباتها التي ناضلت من أجلها كثيرا.
جاء السرد في المجموعة تلقائيا ومتدفقا في جمل رشيقة مكثفة وتليغرافيه، وبلغة سلسلة، تخلو من الأخطاء الإملائية و تتناسب مع شخوص المجموعة وبيئتها، معظم النصوص بعيدة عن كل ما هو غريزي؛الذاكرة في المجموعة تجاهد من أجل الوصول إلى لحظة النقاءفتساهم في إماطة اللثام عن جوانب مظلمة من حياة المرأة وتسليط الضوء على قضاياها.وكما كانت المرأة هي المحور الرئيسي للحدث في معظم القصص نجدها هي المحرك الرئيسي أيضا للدراما في باقي القصص، مثل ( وفاء ) و( الأستاذ محمدين ).
كان رائعا أن ينتصر قلم ذكوري للمرأة كما حدث في تلك المجموعة، وفي تلك القراءة ينتصر قلم نسائي لتلك المجموعة ولكاتبها الذي أجاد التعبير عن هموم ومشاكل المرأة، هكذا الأدب، إنساني، والإنسانية تستوي عند الرجل والمرأة..

"سمية عودة "

السبت، 21 أبريل 2018

قراءة في رواية أشرف الخمايسي (انحراف حاد) بقلم:محمد صالح رجب - جريدة الرأي

قراءة في رواية أشرف الخمايسي (انحراف حاد) بقلم:محمد صالح رجب

في روايته "انحراف حاد" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014، والتي دخلت في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2015، يطرح أشرف الخمايسي سؤلا غير منطقي: هل يستطيع الإنسان أن يقهر الموت؟ إجابتك السريعة، والبديهية، بالنفي هي موضوع هذه الرواية، حيث يدعوك الكاتب إلى التريث وإعمال العقل والتفكر وكشف مكامن القوة بداخلك، من خلال شخصية "صنع الله" التي ابتدعها، والتي يقول عنها" لزم الانعزال ،واستمر يدعوا الناس عبر الأزمنة، فرادى، يخترق حياتهم، ويدعوهم إلى اكتشاف قيمتهم الحقيقة، والى قراءة محايدة للكتب التي يقدسونها، وأن يحللوا تصرفات أنبيائهم بعقل مستنير بعلوم حاضرهم، ليعرفوا أن الله مجد الإنسان، وعلى الإنسان أن يخرج مكامن عظمته، كي يعرف كم هو الله أعظم مما يتصور. يدعوهم، فمن يؤمن بقدرة الإنسان على تحصيل الخلود يرسله ليسعى بين الناس بالفكرة المهيبة، ومن لا يؤمن يدفع به إلى ما يؤمن به من موت، فيدبر له سبل القتل، ومن غير رحمه، فنبتة الخلود يجب أن ينقى ما حولها من محبي الفناء، ومقدسيه).
في تلك الرواية، قبض الخمايسي قبضة عشوائية من الشعب المصري، فأفرزت خمس عشرة شخصية، مثَّلت عينة عشوائية من المجتمع وكل منها وراءها قصة، حملت تلك العينة متناقضات وتنوع الشعب المصري، فكان منها المتدين والمنحل، العجوز والشاب، الرجل والمرأة والطفل، كان منها المسلم والمسيحي، المدني والعسكري، الصعيدي والقاهري..استقلوا جميعا سيارة ميكروباص بيضاء ذات إطار فضي، حملت لوحة مرورية رقم 345678 أجرة أسيوط، يقودها أبو أميرة الذي يعمل في تلك المهنة منذ ثلاثين عاما والذي تفنن في الاعتناء بها، فكانت كما كتب على واجهتها " وزيناها للناظرين ".
لم يلتزم الخمايسي بالترتيب الزمني للأحداث ولم يعتمد على عمودية السرد حيث التتابع المنطقي للأحداث المفضي إلى نهاية متوقعة، وإنما كانت له مناوراته السردية التي تدفع السأم والملل عن المتلقي، فبعد أن اختار تجمع هذا العدد من شخصياته في سيارة ميكروباص أجره، كانطلاقة، ونقطة بدء، اعتمد المفارقة الزمنية، واستخدم بشكل واسع تقنية الاسترجاع لاسيما الاسترجاع الداخلي، وبدرجه اقل الاسترجاع الخارجي، ليكشف لنا، من خلال راوٍ عليم، يوجه الأحداث ويبدي وجهة نظره ويعرض فلسفته للحياة، عن أحداث جديدة تضيء لنا جوانب من شخصياته الروائية والتي أولاها ما تستحق من عناية باعتبارها العمود الفقري للعمل الروائي، فترك لها الحرية في مواضع مختلفة، لتسرد الأحداث على لسانها ومن وجهة نظرها وعبر مستويات عدة من اللغة. لم يكتف الكاتب بإظهار الأبعاد الخارجية لشخصياته، وإنما تغلغل داخلها ليخرج لنا أبعادها الداخلية وما يختلج في الصدور، ناهيك عن شبكة العلاقات التي ترتبط بها، بما فيها علاقتها بالأمكنة والذي انعكس على سلوكها الشخصي.فحين يتحدث عن"حميد المجري" أخطر نصاب، تحدث عن عشوائية المنطقة التي يسكنها، تلك المنطقة القادرة على إيواء البشر والعقارب والفئران والتي يسكنها خطرون، ولن يغامر الضباط والعساكر بالمشي فيها مسافات طويلة ليداهموا غرفة مسجل خطر.
رحلة الحياة العابرة للوصول إلى الخلود، رحلة شاقة حيث الطرق الصعبة،المنحنية التي تفاجئنا عند كل منحنى بما يدهشنا، ومن ثم فهي في حاجة إلى قائد محنك يمسك بذمام الأمور ويمنعها من الانحراف الحاد، هكذا فعل الكاتب حين أتاح لنا الاندهاش مع كل منحنى دون أن يفقد سيطرته على نصه الذي بدا متماسكا، مترابطا، معتمدا مبدأ السببية، فما كان للمجند "ياسر المبروك" أن يغضب إلا أن العقيد أمعن في سبه بأمه، وما كان "ياسر المبروك" ليحاكم عسكريا لولا أنه رد الإهانة ذاتها إلى العقيد "هاني علي الدين"، وما كان الشارع ليستقطب" سوسن" لولا أنها تاهت صغيرة، وما كانت "نوال" لتسكن القاهرة لولا وجود قريب لها... وهذا السائق المحترف الذي قضى في هذه المهنة ثلاثين عاما من عمره البالغ خمسة وثلاثون، ما كان له أن ينحرف دون الانشغال المفرط بتلك المرأة الجميلة، ومحاولة الربط بينها وبين "سوسن" التي عرفها في لقاء حميمي وحيد منذ سنتين، وما كان النص عموما ليفصح عن مكنوناته وعن تلك التفاصيل المدهشة دون أن يكون الانحراف "حادا"..
كان لافتا أن يكون الشيخ والقسيس في المقدمة، في المقعد الأمامي إلى جوار السائق، فالأمر يبدوا أنه مقصود، لاسيما إذا ربطنا بين ذلك وما جاء على لسان " زياد" في أحد حواراته، حين قال: (سبب المشاكل مش ربنا ؟؟ الناس اللي بتتكلم نيابة عنه)، يقصد أن هؤلاء الذين يتكلمون نيابة عن الله هم سبب المشاكل.وفي حوار الشيخ "الغريب" مع "صنع الله"، يقول" من لا يستطيع العوم لا يتقدم لقيادة السفن"، وكأني بالكاتب يريد أن يقول أن رجال الدين والذين يتحدثون باسم الله هم من يتصدرون المشهد الآن، وهم سبب ما نعانيه من مشاكل، وما يعزز تلك الفرضية هو شخصية "صنع الله" ذاتها، تلك الشخصية التي تسعى إلى تعظيم الله، وتتحدث باسمه، لكنها تدعوا الناس إلى ما يخالف شرع الله، فتعظيم الله الذي تسعى إليه، مؤكد لن يكون بمعصية الله، وإنكار الموت،والبعث، والحساب.. وهذا يحيلنا إلى العنوان مرة أخرى "انحراف حاد"، أي انحرف حاد كان يقصد؟ أهو انحراف الوسيلة والنهج؟ أم انحراف القصد والهدف، أم أن الانحراف الحاد كان في طرح مثل تلك القضايا التي تمس المقدسات؟.
ورغم أن الأسئلة العديدة التي فجرها النص ظلت حائرة، دون إجابات، إلا أنه نجح في هز العقول هزة عنيفة وبشكل قاسٍ، ودفع أصحابها للتفكير واستخدام نعمة العقل التي هي منحة من الله، فالشخص الذي يكتشف قدراته مؤكد سيكون أكثر تعظيما لمن وهبه الحياة..
" محمد صالح رجب "

الجمعة، 1 ديسمبر 2017

قراءة في قصة ” ورقة أسئلة ” للكاتب سمير الفيل بقلم: محمد صالح رجب


http://www.mobd3o.com/2017/12/02/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84/

مباشرة ومنذ الوهلة الأولي، من عتبة النص، من العنوان ” ورقة أسئلة ” باتجاه الهدف مباشرة، إنه ” اختبار” ، لكن من الممتحن؟ وفي أي مادة؟ وهل استعد الممتحن جيدا لهذا الامتحان؟ هل أجاب جيدا؟ ماذا حدث لورقة الأسئلة؟ أسئلة عديدة يطرحها العنوان ويحاول كاتبنا سمير الفيل الإجابة عليها من خلال نصه الذي بين أيدينا و المعنون بـ ” ورقة أسئلة”.
بدأ النص بمقدمة في لجنة امتحان والأمور الروتينية المعتادة ككل امتحان من تسلم ورقة الإجابة، ثم الأسئلة، والى الآن لم يذكر لنا الكاتب اسم المادة إلا بعد كتابة الاسم بشكل منمق، خشية “النسيان” كان المشرفون يذكروننا دائما بضرورة كتابة الاسم أولا وبشكل واضح.. ثم ينتقل الكاتب إلى اسم المادة وهي مادة التاريخ وذيل اسم المادة بالتي يحبها..
لكن الأسئلة وعلى غير المتوقع كانت مفاجئة، صادمة، إنها تختبر الذاكرة، تختبر الحفظ لا الفهم، حين قال الكاتب ” فوجئت بالأسئلة تختبر ذاكرتي ” كأني به يريد أن يقول أن المتوقع والطبيعي أن تختبر الأسئلة الفهم لا الحفظ وهو ما لم يحدث الأمر الذي تسبب في تلك المفاجأة، ومع ذلك حاول جاهدا، استحضر الأقرب إلى الذاكرة عله يتذكر الإجابات، استحضر الليلة الماضية، ليلة الامتحان، وما أدراك ما ليلة الامتحان، تلك الليلة التي قاوم فيها ” غواية ” النعاس ولم ينم إلا قليلا، حاول أن يجبر نفسه لتنصاع إلى تلك الطريقة، اشغل نفسه ليتذكر، لكن عبثا حاول، تنتصر نفسه للصواب، للفطرة، ولما لا وإجاباته نموذجية مدعومة بالأدلة!، تتقافز شخصيات وطنية بعينها أثرت في التاريخ المصري مصحوبة بعبارات مقتضبة تشي بفهم عميق لتلك المادة التي يحبها، بدأ بالزعيم احمد عرابي الممتطي جواده ملوحا بسيفه، ثم ثناها بالخديوي توفيق المحاط بقناصل الدول الأوربية مربد الوجه، وجاء الدور على سعد زغلول شاجبا الأقوال المرسلة التي زعمت أنه قال” مفيش فايده”،  ليختتم بجمال عبد الناصر وخطة طرد اليهود من سيناء.. هنا لم يذكر الكاتب أي شيء يفيد ” التذكر ” ولكنه استخدم لفظ ” قفز ” دون أن  يقرنه بالذهن، فلم يقفز إلى ذهنه، إمعانا في رفضه لتلك الطريقة، حتى عندما اندفع الملاحظ من مكانه ليحذره من الضجة التي يصنعها، أخبره أن الزعماء “يتسللون”من ورقة الأسئلة إلي حرم اللجنة، وكأن القفز كان إلى ورقة الأسئلة. وكأنهم لم يطيقوا المكوث فيها، فراحوا يتسللون منها رفضا للأسئلة ولتلك الطريقة. لكن ردا كهذا قوبل بالريبة في قواه العقلية، الأمر الذي استدعى شفقة الملاحظ فراح يربت على كتف بأبوة، ويدعو لنفسه وله بحفظ الله، إنها تهمة “الجنون” المعلبة التي تواجه كثيرا ممن يحاول الفهم!.
ثمة ربط بين أولى عبارات النص وهي” جلستُ في آخر الصف بلجنة الامتحان” وبين آخر عبارة فيه ” ستضيع مستقبلك”، وكأن الكاتب يريد أن يقول أن هؤلاء الذين يفهمون مكانهم دائما في الصفوف الخلفية، وأن الآخرين يرونهم فشلة لا مستقبل لهم، إنها النظرة السائدة، “الحفظ” وحده يصنع ويحفظ مستقبلا..ترى كم من هؤلاء ضاع مستقبلهم؟ إنه بالفعل اختبار، ولكن ليس لبطل قصتنا، وإنما للمسئولين عن التعليم، والنتيجة حتما الرسوب، فقد سلم الممتحن ورقة الإجابة خالية..