الأربعاء، 4 يوليو 2012
السبت، 5 مايو 2012
السيناريو المرعب في الحالة المصرية ( بقلم : محمد صالح رجب )
السيناريو المرعب في الحالة المصرية ( بقلم : محمد صالح رجب )
لعل حالة القلق والخوف الشديد التي تنتاب المواطن المصري البسيط ليست وصول التيار الإسلامي بحد ذاته إلى سدة الحكم في مصر ، لكن منبع القلق هو أن نصل بمصر إلى السيناريو الأسوأ وهو النماذج الأفغاني .. فقد اتفق الأفغان فيما بينهم على هدف واحد اجتمعوا عليه وهو طرد السوفيت من البلاد ، وقد حدث لهم ما أرادوا وعقب خروج السوفيت تنازع أمراء الحرب في أفغانستان بغية الوصول إلى سدة الحكم ، و دارت حرب ضروس بين هؤلاء الأمراء رغم أن كل منهم يتحدث باسم الدين ، كل منهم ينظر إلى شرع الله من وجهة نظره ، ويعتقد اعتقادا جازما انه على صواب و الآخرون مخطئون ، ومن الواجب شرعا أن يجاهد ويقاتل من اجل الحصول على المنصب لتطبيق شرع الله كما يراه وكما يفسره ، فالجهاد فرض عين عليهم للوصول إلى سدة الحكم مهما وقع من خسائر فكله في سبيل الله ، الضحايا شهداء مآلهم إلى الجنة ، والخراب والدمار وتفتيت البلاد هو من اجل الله وفي سبيل تطبيق شرع الله . إلى أن وصل الحال بأفغانستان إلى الحالة التي هي عليه الآن .
هذا السيناريو يرعب العديد من طوائف المجتمع المصري رغم أن البعض يعتبر هذا السيناريو بعيدا كل البعد عن التطبيق في مصر ، فمصر ليست أفغانستان وأمراء الحرب في أفغانستان ليسوا هم إسلاميو مصر ..
لكن المتتبع للحالة المصرية سوف يجد أنها لا تختلف كثيرا عن الحالة الأفغانية ، فقد اجتمع المصريون جميعهم على التخلص من نظام مبارك ، وقد تحقق لهم ما أرادوا ، وما هي إلا أياما معدودات حتى تفرق أمراء مصر " إن جاز التعبير " ، كل راح يجاهد من اجل الوصول إلى سدة الحكم ، للنهوض بالبلاد وإقامة المشروع الإسلامي وفق فهمه ، فالحكم ليس الغاية إنما هو ابتلاء وتكليف لإرضاء الله عز وجل مستخدمين المساجد والآيات والأحاديث ، وقسم المجتمع إلى حزب الله الذي هم حماة الدين والساعون لتطبيق شرع الله وإعلاء كلمة الله ـ من وجهة نظرهم طبعا ـ وبين باقي المجتمع العلماني الذي لا يريد خيرا بمصر ، ثم في مرحلة تالية وفي تطور سريع في ظل الرمال المتحركة في المشهد المصري ، اختلف إسلاميو مصر ، وانقسموا وخرج الانقسام من السر إلى العلن، ففي حين ترى جماعة الإخوان المسلمين وهي صاحبة الباع الطويل في العمل التنظيمي والسياسي ، انه يجب التعامل مع الاختلافات على أنها سياسية ، وان وسيلتها في تحقيق أهدافها سلمية من خلال الحشد الجماهيري المسالم ، كما أن المكاسب التي حققتها على الأرض تجعلها تنادي بالاستقرار والهدوء مع التلويح بإمكاناتها العالية في الحشد من آن لآخر ، نجد أن جماعات أخرى مثل أنصار حازم أبو إسماعيل على سبيل المثال و المحسوب على التيار السلفي قد توجس العديد من المصريين خيفة من الإشارات المتوالية التي تفيد بإمكانية استخدامهم للتصعيد والصدام وسيلة للوصول إلى أهدافهم ولا ندري إلى أي مدى سيكون التصعيد .
ورغم أن الشيخ حازم أبو إسماعيل محسوب على التيار السلفي وان كانت جذوره اخوانية فقد انقسم السلفيون على موقفه التصعيدي حتى أن نادر بكار المتحدث باسم حزب النور السلفي انتقد هذا الوضع علنا على شاشات الفضائيات ، وعقب ذلك ترددت أنباء أفادت بأنه تلقى تهديدات بسبب موقفه هذا ،
كما تلقى بعض العاملون في الفضائيات تهديدات من جهات بعينها وتم تحطيم سيارة قناة الحياة في ميدان التحرير من أنصار احد قادة التيار السلفي ..
كما أن المصادر المختلفة تشير أن ثلاثة الآلف من مجاهدي مصر الذين حاربوا في أفغانستان قد عادوا إلى مصر بعد الثورة محملين بأفكار بعينها ،
في ظل هذا الانقسام الحاد داخل المجتمع المصري بين إسلاميين وليبراليين ، وفي ظل الانقسام الذي بدأ يظهر وسيظهر أكثر إن آجلا أو عاجلا بين التيارات الإسلامية نفسها فكل منهم له تفسيره ورؤيته لتطبيق شرع الله والتي تختلف بالقطع عن باقي التيارات وإلا لانضموا جميعا تحت راية واحدة ، أرى أن السيناريو الأفغاني ليس ببعيد عن الحالة المصرية لو استمر هذا الاستقطاب والتصعيد بعيدا عن البحث عن نقاط تلاقي تحفظ للدولة وحدتها وتجنب البلاد الفوضى والانزلاق إلى صراعات مسلحة وذلك من خلال دستور لكل المصريين يراعى حقوق الجميع ويحترم الجميع مواده ، وتطبق أحكام القانون على الجميع على حد سواء .
تحياتي
محمد صالح رجب
الجمعة، 13 أبريل 2012
عودا على بدء .. ( بقلم : محمد صالح رجب )
عودا على بدء .. ( بقلم : محمد صالح رجب )
لاشك أن المتابع المحايد للساحة السياسية المصرية ، يستشف تراجع المد لتيار الإسلام السياسي ، وانخفاض الزخم والوهج الذي بدأ به عقب الثورة المصرية في 25 يناير 2011 م ، نتيجة لأخطاء ارتكبها بعض رموز هذا التيار ، وفي ظل تربص مسبق لأعداء هذا التيار والفشل الذر يع في بعث رسالة طمأنة لشريحة كبيرة من المصريين كانوا في مسيس الحاجة إليها مفادها أن المصلحة العامة هي الهدف والمبتغى ، ومصر هي أسمى وأعلى من أي حزب أو جماعة ..
وباعتقادي أن قطاعا كبيرا المصريين وصلوا إلى هذه القناعة عقب إعلان أسماء اللجنة التأسيسية للدستور ، والإصرار على السير قدما في أعمال هذه اللجنة رغم الانسحابات المتتالية لرموز القوى الوطنية والمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية .. فبدا للعيان أن أنصار هذا التيار إنما جل همهم الحصول على أقصى مكاسب ممكنه تحت أي ظرف وبأي ثمن حتى ولو كان على حساب التوافق الوطني ، فأهدروا بذلك فرصة ثمينة ليثبت فيها أنصار هذا التيار أن أقواله تتسق مع أفعاله ..
وجاء حكم المحكمة الإدارية بإيقاف أعمال اللجنة التأسيسية للدستور كطوق نجاة لأنصار هذا التيار ، وقد تلقف قادته هذا الحكم بحكمة بالغة وذكاء متناهي بعدم الطعن على الحكم رغم انه حق أصيل لهم باعتبارهم أغلبية في البرلمان ، حتى لا يظهروا أنهم أصحاب مصلحة ، ويضعون أنفسهم في مواجهة جديدة مع الشعب .
وباعتقادي أن هذه بداية حقيقة لعودة الزخم والثقة في التيار الإسلامي مرة أخرى لو أحسن البناء على هذا الموقف وعدنا إلى نقطة البداية بإعلان دستور جديد من المجلس العسكري لا تعترض عليه هذه القوى يحدد فيه كيفية اختيار اللجنة ومعاير الاختيار وان يبادر التيار الإسلامي بعدم ترشيح أحدا من مجلسي الشعب والشورى ، لأنهم ببساطة يتحكمون في اختيار القادمون من خارج البرلمان ..
أظن و أتخيل انه بإمكان قادة هذا الفصيل الهام من النسيج الوطني أن يبادر علنا بمخاطبة الشعب المصري ويقول : نعتقد أن رصيدنا لديكم يسمح بتجاوز بعض الأخطاء والهنات التي وقعنا فيها فنحن لسنا معصومين من الخطأ ، لكن لدينا من الشجاعة أن نعتذر ونعود عن الخطأ لنعود إلى الطريق المستقيم ، لنواصل المسيرة سويا جنبا إلى جنب ، فكلنا شركاء في هذا الوطن .
لست متيقن إن كان قادة التيار الإسلامي قادرين على أن يفعلوا ذلك ، لكني أتمنى ذلك ، فالوطن في حاجة إلى شركاء يكمل بعضهم البعض ، ويطمأن كل منهم إلى الآخر ، ولسنا في حاجة إلى حزب وطني جديد يمارس الإقصاء والتهميش حتى ولو كان باسم الدين ..
تحياتي
محمد صالح رجب
السبت، 7 أبريل 2012
(اللا منطق في انتخابات الرئاسة المصرية بقلم : محمد صالح رجب )
عندما تعلن جهة ما عن شغل وظيفة شاغرة لديها ، يحدد في الإعلان ، متطلبات هذه الوظيفة مثل السن والمؤهل والمهارات ، ثم يخضع المتقدمون للوظيفة ممن تتوافر فيهم هذه المتطلبات لكشف هيئة ، و كشف صحي ..
وفي مصر أعلنت الجهات المختصة عن وظيفة شاغرة ، وهي وظيفة رئيس الجمهورية ،ولم تحدد لنا المواصفات المطلوبة لهذه الوظيفة ، من ناحية السن والمؤهل والخبرات والمهارات والقدرات المختلفة ، وألقت بالكرة في ملعب الشعب واعتبرت أن الشعب بما يملكه من تعليم وفطنة هو الذي سيقوم بكشف الهيئة ، للمتقدمين لشغل هذا المنصب من خلال اختياره المرشح القادر على تحقيق أماله وتطلعاته .
ولأن معدل البطالة كبيرة في مصر ، فقد تقدم العديد من المرشحين دون أن يعرف أي منهم متطلبات ومهام الوظيفة المتقدم لشغلها ، فتقدم السائق ، والميكانيكي ، والحانوتي ، والدكتور والشيخ .. تقدم الشاب والطاعن في العمر ، الصحيح والمريض ..و لم يشغل بال أي منهم إن كان سيصبح رئيسا يمارس سلطات الرئيس كاملة في حال إذا ما حدد الدستور المزمع وضعه نظاما رئاسيا للحكم في مصر ، أم سيكون ديكورا ، يحضر المناسبات ويستقبل الضيوف والسفراء ، في حال إذا ما قرر الدستور نظاما برلمانيا للحكم ، كل ما شغل اهتمامه أن يحصل على فرصة العمل هذه وبعدها يحلها ألف حلال ..
إن المرء يتساءل: كيف لناخب أن يثق في مرشح رئاسة كل همه الحصول على المنصب دون أن يعرف المطلوب منه ، انه كمن يوقع على بياض ، ومثل هؤلاء لا يمكن الثقة فيهم ولا يمكن لهم أن يحملوا الأمانة .
هذا ما يحدث الآن في دولة بحجم مصر قررت أن تضع العربة أمام الحصان ثم تنتظر خيرا .. إن ما يحدث في انتخابات الرئاسة ما هو إلا حلقة أخرى في مسلسل التخبط و اللا منطق الذي تشهده مصر منذ قيام الثورة التي لم نتذوق طعمها بعد ..
الاثنين، 12 مارس 2012
قراءة في قصة " السور " للراحل : خيري شلبي – محمد صالح رجب
قراءة في قصة " السور " للراحل : خيري شلبي – محمد صالح رجب
هناك من النصوص ما تجبرك على قراءتها مرات ومرات طمعا في مزيد من المتعة ، إذا صادفت نصا كهذا وأحسست بالرضا والإشباع بعد قراءته ، وودت أن تقرأه مرات ومرات ، فتأكد انك أمام نص مميز لكاتب مميز .. هذا ما حدث لي وأنا اقرأ نص " السور " من مجموعة عدل المسامير للراحل العظيم خيري شلبي .
القصة حملت عنوان " السٌّور " وهي كلمة " معرفة " ليست نكرة فلا مجال إذن للتأويل ، السور إذن كما في النص هو حد فاصل لواقعين مختلفين أو لعالمين مختلفين داخل نسيج المجتمع ، واقع يمثل الطبقة الفقيرة المحرومة والمقيدة داخل هذا السور ، والتي لا يُسمح لها بالخروج من هذا الإطار المحدد لها بالسور ، وإلا اعتبرت كسجين هارب وجب عقابه ، وواقع آخر يتمثل في طبقة السطوة والقوة والغنى ، وهي المحصنة تحصينا منيعا والذي لا يجب الاقتراب منها ، ومن يفعل ذلك فقد ارتكب خطأ فادحا وجب عقابه بما يتناسب وجسامة الفعل .
في السور أيضا هناك حقيقة مفادها أن القناعة كنز لا يفنى لكن مادمت لم تر فارقا كبيرا لم انت عليه والآخرين ، فعليك أن تقنع بما داخل السور ، عليك أن تقنع بمدرستك وفنائها وحقيبتك وحذائك المبرطش ، ومريلتك المترهلة الممزقة ، ورائحتك الزنخة وشعرك المنكوش حتى مُدرسيك ومُدرساتك بوجوههم المتهجمة المكشرة وصوتهم الخشن وأسلوب تعاملهم معك ، عليك أن تقنع بمعتقداتك بما فيه المعتقد الذي يفيد بأن زمن التفاوت بين الطبقات قد ولى على غير رجعة بانتهاء زمن البشوات ، ولن ينظر إليك احد بعد ألان نظرة دونيه ، وعليك أن تظل مقيدا معزولا مبعدا عن رؤية غير ذلك حتى تظل قانعا ، سعيدا بما انت عليه ..
إن صادفتك الظروف ورأيت الطبقة الأخرى كصاحبنا وقد " شاط " الكرة بقوة فطارت إلى حوش المبنى المجاور ، فانهارت معتقداته وأصبحت القناعة ليست كنزكما كان يعتقد ، لقد اكتشف ـ على غير ما كان يعتقد ـ أنها مدرسة كمدرسته وبها تلاميذ كما في مدرسته.. لكن التلاميذ غير التلاميذ والمدرسة غير المدرسة والحوش غير الحوش انه أشبه بالجنة أحواض وزهور وطرق واسعة منسقة وفي الوسط نافورة على شكل تمثال لامرأة جميلة تبخ الماء من فمها وأصابعها ورأسها، الأشجار تبدو كأن الحلاق نسق لها شعرها ، التلاميذ غير التلاميذ إنهم يشبهون الزهور كلهم بيض وحمر ، شكلهم جميل ، شعورهم مسبسبة لامعة ، ثيابهم جديدة ملونة بألوان زاهية مفرحة ، لا يصيحون ولا يتعاركون ، يقفون في مجموعات يتكلمون ويضحكون ، كلهم حلوين ويرطنون بكلام غير الذي نتكلم ..
فعلا القناعة كنز لا يفنى طالما لم تر مثل هذه الفوارق التي جعلت من هذا التلميذ يتمرد على حاله ويثور على وضعه القائم ويتساءل بعد أن رأى هذه المناظر : " هل يعقل أن الله الذي خلق عيال مدرستنا هو الذي خلقهم أيضا ؟! " بل انه القي باللوم على أبيه الذي لم يأت به إلى هذه المدرسة .. وبما انه على يقين من حب أبيه ، فلا بد أن السبب الذي جعل أبيه لا يأت به إلى هذه المدرسة هو انه لم يكن يعلم بها ، أما وقد علم هو بها فليتخذها مدرسة له ..
انه سوف يعامل كما رآهم يعاملوا .. ولن يعامل بعد الآن كفأر أو ثعبان ولن يَنظُر أحد إليه باشمئزاز ، ألسنا سواسية ؟ أليس الله الذي خلقهم هو نفسه الذي خلقنا ؟
إن الأمر على غير ما اعتقد ، لقد تجرأ على النط من فوق السور وتمرد على الخنوع والحرمان ، لقد تجرئ على إلغاء الحاجز وخرج من النطاق المحدد له والمحاط بسياج منيع ، وهذا أمر لا يصدقه عقل " حَقه كله إلا نط السور ! ده اللي كان ناقص " لقد أتى بكبيرة من الكبائر إنها " عمله سوده " إنها " قلة تربية " يجب أن يعاقب على قدر جسامة الفعل ، ويجب أن يعاد تربيتهم من جديد على الخنوع والحرمان وعدم إزالة أو التفكير في إزالة هذه الفوارق " العيال دي لازم تتربى من جديد" حقه كله إلا نط السور ! .
إن قصة " السور " هي رؤية الكاتب لمشكلة الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي ، بين أفراد المجتمع ، إنها طرق لضمائرنا ورسالة إلى كل من يهمه الأمر بأن غياب العدالة الاجتماعية مشكلة باتت تنخر في المجتمع حتى باتت جزءا من ثقافتنا ومعتقداتنا نُربي أبناءنا عليه ..
لقد وفق الكاتب في اختيار شخوصه ، بداية من الشخصية الرئيسية حيث اختار هذا السن الصغير حيث التعليم في الصغر كالنقش في الحجر ، وكأني بالكاتب يريد أن يقول أن هذه التفرقة وهذا الظلم لاجتماعي نُربي عليه منذ الصغر في هذا السن المبكرة وينشأ معنا حتى يصبح معتقدا الخروج عليه قلة أدب وعملة سوده تستوجب العقاب ..
و إذا كان التضاد في اللغة يظهر المعني ويقويه ، فالتضاد في الصورة أكثر أثرا ، إنه يلهب القلوب أسى وحزنا لهذا التفاوت ، و هذه الفوارق الفظة التي رسم الكاتب أدق تفاصيلها ببراعة وتَمكن في لوحة واحدة من الجمع بين صورتين مختلفتين لواقعين متقابلين احدهما يمثل الفقر والخنوع والحرمان ، والآخر يمثل الغنى والسطوة، ورغم الإغراق في وصف الواقعين كما يراه الراوي إلا أن ذلك لم يشعرنا للحظة بالملل بل زاد من وضوح وتمام الصورة .
لقد برع الكاتب في التعبير عن فكرته بأسلوب سلس ولغة بسيطة تتناسب مفرداتها مع قضية تهم المجتمع بأثره والذي يغلب عليه ألأمية ، وتتناسب مع شخصية الراوي الذي لا يتجاوز عمره بضع سنوات والذي منحه الكاتب الفرصة للقيام بوظيفته الفنية وأعطاه حرية أكبر في التعبير عم يراه وما يختلج بداخله مستخدما ضمير المتكلم ، تارة يتحدث بصيغة المفرد ، وأخرى بصيغة الجمع في المواضيع التي تجمعه بأفراد المستوى نفسه .
إننا أمام نص مترابط ومتماسك استطاع الكاتب أن يسير به في تناغم تام بين عناصره المختلفة في مجرى محدد المعالم مرسوم بعناية باتجاه هدفه مستخدما " مبدأ السببية " فكل فعل له ما يبرره ، تسلق السور ليحضر الكرة التي نطت إلى هناك ، هو وليس غيره من تسلق السور ، لأنه هو من شاط الكرة ، جلس في الفصل مع التلاميذ لأنهم مثله ، فالله الذي خلقهم هو نفسه خالقه ، استغربت " الميس " لوجوده لأنه ليس كباقي التلاميذ ، ذهب لمدرس الألعاب لأنه مصدر العقاب في المدرسة ، عاد إلى أبيه ، لأنه مصدر التربية التي هي أصل الموضوع فهو لم يحسن تربيته ، عليه ـ إذن ـ أن يعيد تربيته من جديد.
لا يمكن لعين تقرأ هذا النص أن تمر دون أن تقف أمام قدرة الكاتب الإبداعية وهو يعرض الحدث ، وما ترتب عليه بشكل تنازلي وكأننا نعود إلى ضربة البداية أو إلى المربع صفر ، فبعد الحدث وهو " تسلق السور لإحضار الكرة التي هبطت إلى مبنى مجاور ، في إشارة إلى إذابة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية واختراق الممنوع ، جاء رد الفعل الأول من المستوى الأعلى وهو رد فعل المدرسة التي كان يظن أنها سوف تنصفه باعتبار أن الله الذي خلقهم هو نفسه الذي خلقه فهم سواسية كما اعتقد ، غير أنها لم تنصفه ، ذهب إلى المستوى التالي لعله ينصفه وهي المدرسة التي ينتمي إليها لكنها لم تفعل هي الأخرى ، لم يعد له إلا أهله ومن اقرب إليه من أبيه الذي رباه لكنه لم ينصفه هو الأخر ، بل أن ما أظهره من غضب ودهشة يرسخان الانطباع بتأصل هذا الفكر داخل المجتمع ، وتظهر مدى الجرم الذي يرتكبه من يخرج على هذا الفكر .
من ينصفه إذا؟ المجتمع كله يسلم بالوضع القائم ؟! إنها ثقافة سائدة ومنظومة قائمة يصعب تغيرها .
وتصل السفينة إلى محطة الوصول وفي لحظة التنوير يختتم الكاتب النص بعبارة غاية في الإثارة " وأبي ينظر لي في غيظ ودهشة قائلا : تستاهل أصل أنا ما عرفتش أربيك " وفي اعتقادي أن الخاتمة تعيدنا إلى المربع صفر و إلى ضربة البداية حيث التربية وهي الأساس ، لكن السؤال : من الذي يجب أن يربى وعلام يربى ؟ سؤال ينتزعه الكاتب من القارئ دون أن ينطق به ، كما يستنطقه بالإجابة : يجب أن يعاد تربية وتأهيل المجتمع على ثقافة المساواة ، وإذابة الفوارق بين أفراده ..
وأخيرا أقف أمام عنصر الزمن في القصة ، أحاول أن أقف على زمن الحدث تحديدا يتفلت من بين يدي
في مساحة زمنية مقدرة بسنة بدايتها عام مضى وانتهاء بزمن السرد ( الحاضر ) لكن المؤكد ، أن الكاتب ابتعد بزمن الحدث عن نقطة البداية بوقت ليس بالقصير ، فلن تستطيع "الشخصية الرئيسة " أن تتعود على الاستيقاظ وحدها مبكرا ، ولبس المريلة وحدها والمشي في الحواري والذهاب إلى المدرسة وحدها إلا بعد مرور وقت ليس بالقصير ، وفي اعتقادي أن الكاتب أراد أن يعط فرصة أكبر لنمو الشخصية من خلال منحها الوقت الكافي حتى تتمكن من أداء وظيفتها على أكمل وجه . فالزمن بين دخوله المدرسة وحتى وقوع الحدث لاشك أن هذا الزمن قد اكسب هذه الشخصية مشاهدات وخبرات ، إضافة للنمو العقلي والجسدي مما جعلها مؤهلة لأداء وظيفتها بكفاءة عالية .
وأنا اقرأ هذا النص كأني بالكاتب قد سبق زمانه وهو يتنبأ بثورة على الظلم الاجتماعي وكأنه كان يرى شباب التحرير وهم يثورون على الظلم الاجتماعي ويطالبون بالعدالة الاجتماعية ، إنها جودة الفكرة التي تمس مشاكل وأوجاع الناس وهي ما تميز نص عن نص ، فالنص يبق طويلا في الذاكرة بقدر ما ارتبط بأوجاع وألام الناس وبقدر ما يخدم الإنسان وتطوره .
هذا مما أفاض الله عليّ في قراءاتي لنص " السور " من مجموعة عدل المسامير للراحل الكاتب الكبير خيري شلبي ، قد تختلف معي في قراءة النص ، لكن المؤكد انك لن تختلف معي على تميز النص وكاتبه .. تحياتي
محمد صالح رجب
" قاص مصري "
الخميس، 8 مارس 2012
هم العدو فاحذرهم ..(بقلم : محمد صالح رجب )
هم العدو ..(بقلم : محمد صالح رجب )
بداية نحترم كل الناس وأنا شخصيا من دعاة الحوار الهادئ العاقل لأن صاحب الصوت العالي ذو حجة ضعيفة في غالب الأحيان ،
الأستاذ المحترم مجدي الجلاد شأنه شأن آخرون وما أكثرهم في مصرنا الآن ، يتلونون كما الحرباء ، وربما هذا بحد ذاته ليس عيبا فتغير لون الحرباء هي احد أدواتها لحماية نفسها ومن مصادر قوتها ، فلا يعنينا إن كان احد رجالات النظام السابق أم لا ؟ كما لا يعنينا إن كان يؤيد جمال مبارك لحكم مصر لكونه شاب طموح يمتلك أدوات العصر ووضع العديد من السياسات الاقتصادية في خدمة مصر ، كما لا يعنينا أن كان حصل على فلل أو شقق من السيد / طلعت مصطفى ومجموعته أم لا ، كل هذا لا يعنينا ، فهو توجهه وشأنه الخاص ، لكن ما نحن بصدده هو الكذب ، قد أتفهم ـ لكن لا أقر ـ موقف الفنان احمد زكي رحمة الله عليه وهو يتهرب من فقره ويكذب وعندما يواجه فيرد ، " أنا لا أكذب ولكني أتجمل " ، لكن لا أتفهم السيد / مجدي الجلاد وهو يطالعنا على شاشات التلفاز يتحدث تارة عن الشرف ومحاربة الرشوة وأخرى عن الفقر، رأيته مرة وهو ينأى بنفسه عن الفساد ويقول أن أخته "المسكينة يا عيني " قدمت على شقة مثلها مثل باقي المواطنين ولم يتدخل هو لحصول أخته على هذه الشقة .
رأيته يتحدث عن الحد الأدنى والأعلى للأجور ويدافع بضراوة عن ضرورة وضع حد أعلى للأجور للقضاء على هذا التفاوت وتضيق الفجوة بين طبقات الشعب ضمانا للاستقرار و السلم الاجتماعي .
الآن عدة مصادر تؤكد أن الراتب الجديد للسيد / الجلاد بعد ترك المصري اليوم هو( 200000 ) مائتي ألف جنيه شهريا ، اكرر مائتي ألف جنيه يا سادة ناهيك عن أمور أخرى هنا أو هناك ثم يتحدث عن شقة لأخته للإسكان الشعبي ويتحدث باسم الفقراء وحد أعلى للأجور .. الخ .
ألا تستحي هذه الوجوه وهي تطالعنا يوميا تحدثنا عن الشرف والنزاهة ، وعن الدفاع عن حقوق الفقراء لأنهم منهم ، إن المرء ليشعر بالغثيان وهو يرى وجوها تقول ما لا تعمل وتحمد بما لا تفعل ..
السيد / الجلاد شأنه شأن الكثيرين الذي هم اشد خطرا من الحرباء والذين ابتلى الله بهم مصر ، ستجدهم في الأعلام ، في الشارع،و في العمل ، يلبسون مثلك ويتحدثون بلسانك ويتاجرون بك وبقضاياك ، هم العدو فاحذرهم ..
محمد صالح رجب
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)





